|
|
تاريخ إريتريا
خضعت إريترية، بحكم موقعها الجغرافي وتعدد الهجرات البشرية التي استقرت في مختلف مناطقها، لدول مختلفة توزعت مناطق النفوذ فيها أحقاباً طويلة. ومع ذلك تبقى السمة الأساسية لتاريخ إريترية ممثلة بارتباطها الوثيق وصلاتها المشتركة بالتاريخ العربي الإسلامي في سائر المراحل. فقد ارتبط ملوك «البجة» الذين حكموا بعض المناطق الإريترية في أزمنة مختلفة، بتحالفات واسعة مع عرب الجزيرة. وامتدت تحالفاتهم تلك إلى مملكة تدمر عام 272م في صراعها مع الرومان، واستطاع السبئيون والحميريون في اليمن إقامة إمارات مستقلة تابعة لهم في السواحل والهضبة الإريترية، وقد اتحدت هذه الإمارات فكونت ابتداء من القرن الأول الميلادي مملكة «أكسوم» في المنطقة الممتدة بين «تكزة» ومحافظة «إكلي قوزاي». وفي القرن الثامن الميلادي أسس خلفاء الأمويين حكماً لهم في جزيرة «دهلك» امتد نفوذه إلى المنطقة الساحلية من إريترية، وتعاقبت عدة ممالك إسلامية صغيرة في حكم الساحل الإريتري وأجزاء أخرى من الهضبة الداخلية في عهد العباسيين. وكانت علاقات بعضها بالأخرى أو بجيرانها متفاوتة بين الوحدة، عندما يتهدها الخطر الخارجي، والنزاع في أوقات أخرى، ولم تكن إريترية بعيدة عن دائرة الصراعات العربية - الأوربية زمن الحروب الصليبية، فقد وضعت أوربة في سياستها آنذاك، حرمان مصر من المواد الأولية والتأثير في تجارة البحر الأحمر فكانت إريترية إحدى المناطق الاستراتيجية لتحقيق تلك الأهداف، وتعاقد الأوربيون والإثيوبيون على الإريتريين والمصريين، وتتابعت الصراعات الطويلة الدامية حتى ما بعد الحروب الصليبية، فنزل جيش برتغالي عام 1520م على الساحل الإريتري نجدة للملك الإثيوبي على المصريين، وكان ذلك التاريخ بداية احتلال البرتغال سواحل إريترية. ووجد العثمانيون في السيطرة البرتغالية تهديداً لتجارتهم في البحر الأحمر، فبادروا إلى احتلال مصوع عام 1557م، ونجحوا في تصفية مواقع البرتغال على طول سواحل البحر الأحمر، واستمر الحكم العثماني لهذه المناطق نحواً من ثلاثة قرون. وفي الوقت نفسه، وإلى جوار العثمانيين، بسط سلطان «الفونج» في «سنار» بالسودان «عمارة بن دنقس» نفوذه على مناطق القاش وستيت، في حين حكمت بعض الإمارات البجاوية مناطق أخرى من إريترية حتى القرن التاسع عشر، وقد ازدادت في هذه المرحلة الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر، ولاسيما بعد افتتاح قناة السويس عام 1869، فخلفت مصر الخديوية الأتراك العثمانيين على طول ساحل البحر الأحمر والصومال، ورفع العلم المصري فوق الأراضي الإريترية. وأدخلت الإدارة الخديوية جملة من الإصلاحات ولاسيما في مجالات التعليم والصحة والمواصلات، كما دخلت في صراعات مستمرة مع إثيوبية في الغرب. وفي غضون ذلك قامت الثورة المهدية في السودان فاضطر معظم القوات المصرية إلى الانسحاب من إريترية لمواجهة تلك الثورة، وانتهز الإيطاليون الفرصة، فاحتلت قواتهم مصوع عام 1885، ثم استكملت السيطرة على سائر الأراضي الإريترية فيما بعد. وقد عمدت الإدارة الإيطالية إلى تثبيت حدود إريترية بمعاهدات رسمية مع كل من الإدارة البريطانية الحاكمة في السودان (في المدة بين 1891-1904)، ومع إثيوبية (في المدة بين 1900-1908). وبهزيمة إيطالية في الحرب العالمية الثانية احتلت قوات الحلفاء إريترية، وتحولت إدارتها إلى بريطانية التي سعت إلى تثبيت وجودها هناك بتشجيع النعرات القبلية والطائفية وبث الفرقة في ظروف من الركود الاقتصادي عمت البلاد. وفي عام 1948 أحيلت قضية إريترية إلى الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة في دورتها العادية الثالثة، للنظر في تقرير مصير المستعمرات الإيطالية، ولكن الخلاف حول مستقبل إريترية أجل البت في مصيرها حتى عام 1950م، وتعددت المشروعات والحلول بين استقلال كامل أو جزئي، وبين ضم البلاد إلى إثيوبية وإعطائها منفذاً بحرياً على الساحل الإريتري، أو وضع إريترية تحت وصاية الأمم المتحدة مدة معينة، أو تقسيم البلاد بين إثيوبية والسودان، وقد تبنت بريطانية هذا المشروع الأخير. وفي 2/12/1950 أقرت الجمعية العامة، بالأغلبية، مشروعاً أمريكياً بعد مناقشات مجهدة، وقد عرف هذا المشروع باسم القرار الفدرالي ذي الرقم 390-أ-5- ويدعو إلى قيام اتحاد فيدرالي بين إريترية وإثيوبية، ويشترط هذا القرار أن تتمتع إريترية بحكم ذاتي، وأن يكون لها دستورها الخاص وعلمها الخاص ومجلسها التشريعي والتنفيذي وحكومتها الخاصة، وأن تؤلف حكومة اتحادية للبلدين يمتد اختصاصها إلى شؤون الدفاع والخارجية والنقد والتجارة والمالية والمواصلات، على أن يكون للأمم المتحدة الحق بإعادة النظر في القضية الإريترية من جديد إذا حدث أي إخلال ببنود الاتحاد الفدرالي. وفي عام 1952م دخل الاتحاد الفيدرالي حيز التنفيذ تحت إشراف مندوب الأمم المتحدة والإدارة البريطانية. وفي العام نفسه بدأت إثيوبية بإلغاء بنود الاتحاد الفدرالي بالتدريج، وأصبح الممثل الذي عينه الإمبراطور في إريترية يتدخل في كل شؤونها، فأوقفت الصحف وحلت الأحزاب السياسية والنقابات وبوشر بتطبيق القوانين الإثيوبية على إريترية وفي ذلك صلاحيات الحاكم، واستولت إثيوبية على حصة إريترية من الجمارك وعمدت إلى نقل الكثير من المصانع إلى أديس أبابا، وفي 22/5/1953 وقعت إثيوبية مع أمريكة معاهدة منحت بموجبها الحق للجيش الأمريكي باستعمال المنشآت الدفاعية في الإمبراطورية الإثيوبية، وفيها ما كان مقاماً على أراضي إريترية. وقد سارعت الولايات المتحدة الأمريكية عام 1953 إلى إنشاء قاعدة بحرية لها في مصوع وقاعدة عسكرية قرب أسمرة (كانيوستيشن) التي تحتوي على محطة مراقبة ومتابعة لنظام الأقمار الصناعية. إزاء هذا الوضع اتخذ البرلمان الإريتري عام 1954 قراراً ينذر الحكومة الإثيوبية بوجوب إعطاء الضمانات اللازمة لسيادة الدستور الإريتري، لكن إثيوبية أقالت رئيس الوزراء الإريتري الذي حمل تلك المطالب إلى الإمبراطور, وفي عام 1957 أرسل الشعب الإريتري وفداً إلى الأمم المتحدة لتقديم مذكرة عن المخالفات التي ارتكبتها الحكومة الإثيوبية لقرار المنظمة الدولية. فصعدت إثيوبية إجراءاتها القمعية وقامت باعتقال الوفد لدى رجوعه إلى البلاد. وفي عام 1958 أمرت إثيوبية بإنزال العلم الإريتري وإلغاء الشارات الإريترية، ثم في 14/11/1963أصدر الإمبراطور الإثيوبي قراراً ألغى بموجبه البرلمان الإريتري وأعلن إريترية ولاية تابعة للإمبراطورية.
|
-
-
|
|
Send mail to awkir@yahoo.com with questions or comments about this web site Last modified: 04/08/09 |